بين عقيدة الاستنزاف ورهبة الحروب الطويلة: قراءة في تصريح محسن رضائي
في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، تعود إلى الواجهة مجدداً مفاهيم الحرب الطويلة وحروب الاستنزاف، خاصة مع التصريحات التي أدلى بها محسن رضائي، والتي أكد فيها أن “الأمريكيين يخشون الحروب الطويلة، بينما نحن مستعدون لها ومعتادون عليها”. هذا التصريح لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق التاريخي والعسكري والسياسي الذي يحكم سلوك الأطراف المختلفة في النزاعات.
الولايات المتحدة، كقوة عظمى، خاضت خلال العقود الماضية حروباً متعددة خارج حدودها، من فيتنام إلى العراق وأفغانستان. ورغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، إلا أن التجارب أثبتت أن الحروب الطويلة تُثقل كاهلها سياسياً واقتصادياً، وتؤثر على الرأي العام الداخلي، الذي غالباً ما يميل إلى رفض النزاعات الممتدة التي لا تحقق نتائج سريعة وحاسمة.
في المقابل، تعتمد بعض الدول والقوى الإقليمية على استراتيجية مختلفة، تقوم على الصبر الطويل واستنزاف الخصم تدريجياً. هذه العقيدة العسكرية لا تراهن على الحسم السريع، بل على إطالة أمد الصراع بما يؤدي إلى إنهاك الطرف الأقوى، سواء عبر الضغط الاقتصادي أو النفسي أو العسكري. وقد أثبتت هذه الاستراتيجية فعاليتها في عدد من النزاعات غير المتكافئة.
تصريح رضائي يعكس هذا التباين الواضح في العقيدتين: الأولى تسعى إلى الحسم السريع وتقليل الخسائر الزمنية، والثانية ترى في الزمن أداة قوة بحد ذاته. كما أنه يحمل رسالة ردع واضحة، مفادها أن أي مواجهة محتملة لن تكون قصيرة أو سهلة، بل قد تتحول إلى صراع مفتوح طويل الأمد.
غير أن هذا الطرح يثير تساؤلات مهمة: هل لا تزال الحروب الطويلة خياراً قابلاً للتحمل في عالم اليوم؟ وهل يمكن لأي طرف، مهما كانت قدرته على الصبر، أن يتحمل تبعات الاستنزاف المستمر في ظل التحديات الاقتصادية والضغوط الداخلية؟
في النهاية، تبقى مثل هذه التصريحات جزءاً من خطاب سياسي واستراتيجي يهدف إلى التأثير في حسابات الخصوم، بقدر ما يعكس واقعاً عسكرياً قائماً. وبين الخشية من الحروب الطويلة والاستعداد لها، يظل العامل الحاسم هو قدرة كل طرف على ترجمة استراتيجيته إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.


